ابن عربي

136

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

حكمة علوية من تلك المناظر وصفها بسمرة الشفة إشارة إلى ما عنده من الأمور الغيبية طيبة المذاق ، وذكر شهادة النحل لأنها من الجنس الذي له ذوق في الوحي الذي هو مطلوب القلوب ، والضرب : العسل الأبيض ، فجعله العسل دليلا على ما يدعيه النحل من الوحي إليها المشاكل لما تلقيه ، وقوله : ريا المخلخل ، يقول : ممتلئة الساق ، أي عظيمته من قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [ القلم : 42 ] أي عن أمر فظيع فوصفها بالعظمة ، وقوله : ديجور على قمر ، أي غيب وراء مشاهدة ، في خدها شفق ، يشير إلى مقام الحياء ، غصن على كثب ، يريد القيومية الظاهرة في كتب التجليات . حسناء حالية ليست بغانية * تفترّ عن برد ظلم وعن شنب تصدّ جدّا ، وتلهو بالهوى لعبا * والموت ما بين ذاك الجدّ واللّعب يقول : لها مقام الجمال من اسمه الجميل مزينة بالأسماء الإلهية ليست بغانية ، يقول : لم يقتضها أحد لأنّ الغانية هي المرأة التي لها زوج لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 56 ] ، وقوله : تفتر عن برد ، يقول : تمتن بما يبرد الأكباد من لهب الشوق والظلم بريق الأسنان ، يريد صافية المشهد والشنب طيب ذلك المشهد وحسنه ، وقوله : تصدّ جدا ، لما كانت عزيزة المنال عن الإدراك كنّى عن ذلك بالصّد ، ولما كان الأمر حقيقة في نفسه أعني عزتها جعله جدا لا هزلا ، وقوله : وتلهو بالهوى ؛ أي تجعله في قلوب المحبين وتعلقه بها مع كونها تعرف أنه ما يحصل لهم منها شيء فأنزلته منزلة اللهو ، وقوله : والموت ما بين ذاك الجدّ واللّعب يقول : إنّ المحبّ يموت ويقاسي الآلام بين هاتين الحالتين ، ثم قال : ما عسعس اللّيل إلّا جاء يعقبه * تنفّس الصّبح معلوم من الحقب ولا تمرّ على روض رياح صبا * تحوي على كاعبات خرّد عرب إلّا أمالت ونمّت في تنسّمها * بما حملن من الأزهار والقضب « 1 » يقول : ما يبطن أمر إلا ويظهر مقابله ولا يظهر أمر إلّا ويبطن مقابله أبد الآباد ، ولا سيما وقد يسمى الحق سبحانه أزلا بأنه الظاهر الباطن ، ولا يحمل على محمل النسب والإضافات هذا هو حد النظر العقلي من طريق التنزيه ، وإنما ينبغي أن يحمل على أنه أمر ذاتي هو عين المطلوب الموصوف بالوجه الذي يليق وتعرفه من نفسه ، وقوله : ولا تمر ، أرواح التجليات على روض القلوب الحاوي على الحكم اللطيفة والمعارف الحسية الحاصلة من مقام الحياء والجمال ، إلا أمالت ، يريد عطف القيومية على القائمين بالأكوان ، ونمت ، أي وصلت إلى أسماع القلوب ما عندها من لطائف

--> ( 1 ) القضب : كل شجرة طالت وامتدت أغصانها .